ابن القلانسي

40

تاريخ دمشق

أبو تغلب مثله أيضا ، فلما توجه الفضل على الساحل ونزل على عسقلان ، وقصد ابن جراح أبا تغلب بعسكره ، وسارت بنو عقيل وشبل بن معروف واصطفوا لقتال الطائيين « 1 » وأبو تغلب واقف في مصافّه ، وعاد الفضل واجتمع مع ابن الجرّاح بعسكره ، وكان معه مغاربة كثيرة ، فقالوا لأبي تغلب : قد اجتمع عسكر الفضل مع عسكر ابن جرّاح ؟ فقال : على هذا جرت الموافقة بيني وبينه ، فلما نظر المغاربة الذين كانوا مع أبي تغلب إلى مغاربة الفضل قد أقبلوا مع عسكر ابن جرّاح حملوا يريدون الدخول معهم ، فقالوا لأبي تغلب : إحمل في إثر هؤلاء من قبل أن يدهمك الأمر ، فبقي متحيرا وعلم أن الحيلة قد تمّت عليه ، فلما حمل المغاربة الذين كانوا معه وساروا مع أصحابهم ، وأقبل العسكران على عسكر أبي تغلب فانهزم جميع من كان معه ، ثم انهزم هو ، فلم يدر في أي طريق يأخذ ، وكانت عدته في الغابة جميعها ، وذكر انه لم يتقدّم اليه رجل إلا ضربه ، ولم يزل على ذلك حتى تبعه رجل من أصحاب ابن جرّاح يقال له منيع فصاح إليه : يا انسان اسمع مني أنا أنجو بك ، وظن أن كلامه حق ، فقال له : هذه الخيل التي أمامك خيلنا فلو وقفت عليّ لنجوت بك ، وكان يتكلم معه وهو يقرب منه وبيده رمح ، فطول الرمح وهو يكلمه وهو يظن ألا يقدر عليه فلم يمكنه في أبي تغلب شيء ، فطعن عرقوب فرسه ، فوقف به الفرس فأخذه وسار به إلى ابن جراح ، فأركب جملا وأشهر بالرملة وقتله وأحرقه ، وذلك في صفر سنة تسع وستين وثلاثمائة وخلت الديار لابن جراح ، وأتت بنو طيء على الناس « 2 » ، وشملهم البلاء منهم . وكان العزيز قد خاف من الملك عضد الدولة فناخسره بن بويه خوفا شديدا لأنه كان عازما على انفاذ العساكر إلى مصر ، فعاقه عن ذلك الخلف الجاري بينه وبين أخيه واشتغاله به سنة تسع وستين وثلاثمائة « 3 » .

--> ( 1 ) في الأصل واصطلوا القتال للطائيين ، وهي عبارة فيها تصحيف وغموض دفع ناشر الكتاب إلى قراءة عبارة للطائيين « للطاس » ولعل ما أثبتناه هو الصواب . ( 2 ) عند يحيى بن سعيد الأنطاكي المزيد من المعلومات ص : 159 - 160 . أنظر أيضا تجارب الأمم : 2 / 401 - 404 . ( 3 ) أنظر ذيل أبي شجاع على تجارب الأمم : 1 / 9 .